شميرام ابنة الالهة و انهيار الاتحاد السوفيتي

admin Ebrahim Badal

بقايا قصاصات من قرطاس
شميرام ابنة الالهة و انهيار الانحاد السوفيتي (صورتان في اطار واحد)
اه .. لو يعرف الانسان الاشوري و هو يغسل وجهه (مغمض العينين) في اليوم اكثر من مرة .. كم هو بحاجة لان يفتح عينيه و يغسل قلبه و لو مرة واحدة في السنة !.
(انسان اشوري)
الصورة الاولى :
التقيت بهما ذات صباح ربيعي جميل . امرأتين قادمتين نحوي عن بعد قريب ، و كانت احداهما تنظر الي و تبتسم ابتسامة عريضة ، و تتسع ابتسامتها اكثر كلما تقدمت مني و اقتربت …
سؤال خطر في بالي .. (لماذا تضحك هذه ؟. اتضحك لي ام انها تضحك مني) ؟. لم اعرهما الكثير من الاهتمام ، و لكن لفتني بان احداهما توقفت فجأة و هي تقول : عجبا يا (انت) .. ما بك اولم تعرفني !. و اقتربت مني كثيرا و هي تعيد اجل يا انت امازلت لا تعرفني . انا شميرام . و غرقت في تأمل عميق .. اشبه ما يكون بالسبات ، و انا اردد في خاطري .. (شميرام) ؟ ابنة الالهة آترغاتيس ! شميرام مكلة بلاد ما بين النهرين الخالدة .. هل هي انت ؟!
و سمعتها تضحك و هي تسأل : ما بك يا انت .. الست معي ؟ انا شميرام ، الم تعرفني بعد ؟ فقلت بتردد ، و انا في حيرة كبيرة : اجل اجل .. اني اعرفك ، و كيف لا اعرفك انت شميرام ، و سكت لبعض الوقت و انا انظر اليها ، و قد اخذني الخيال بعيدا ، الى تلك الازمنة الغابرة ، و رحت اسألها على عجل : و لكن اين تاجك يا شميرام ؟ و اين سيفك و ترسك ، و اين عربتك القتالية .. و اين تلك الجيوش الجرارة التي كنت تقودينها في الحروب مع الاعداء !. فقالت باستغراب و الدهشة تكاد تعقد لسانها ، ماذا تقول يا انت .. عن اي عربة تتحدث و اي سيف ، و اي تاج ؟. و عن اية جيوش جرارة تتحدث ! ماذا دهاك ؟
فقلت لها و انا مازلت في حيرة من الامر : اولست تقولين انك شميرام ؟ اذا .. لابد ان يكون لك عربة و جياد ، و ان يكون لديك سيف و درع من فولاذ ، و ان يكون تاجك المرصع بالدرر فوق رأسك .. يزيدك لمعانه و بريقه جمالا و بهاء و شموخا و انت تقودين تلك الالاف المؤلفة من الجيوش من نصر الى نصر . هذا ما قرأناه عنك في الكتب و الروايات ، و هذا ما شاهدناه في الرسوم و الصور و الاثار .
قاطعتني و هي تضحك بسخرية و اسى و قالت : على رسلك يا انت .. لماذا تعتقد انني شميرام تلك التي تتحدث عنها ؟! انا شميرام التي كنت تحبها .. انسيت ؟ و قد تزوجت و هاجرت يومئذ الى (السويد) و قد مضى على ذلك اكثر من عقدين و نصف من الزمن ، و اني اقيم هناك مع عائلتي حتى الان …

الصورة الثانية :
انهيار الاتحاد السوفيتي في اوائل التسعينيات من القرن العشرين .. كان حدث عالمي يشير الى انتهاء الوجود القانوني لدولة اتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية ، و قد حدث ذلك التفكك او الانهيار في ٢٦/١٢/١٩٩١ عقب اصدار مجلس السوفييت الاعلى للتحاد السوفيتي الاعلان رقم (١٤٢) و الذي اعلن فيه عن الاعتراف باستقلال الجمهوريات السوفيتية السابقة و انشاء رابطة الدول المستقلة لتحل محل الاتحاد السوفيتي .
ما حدث بعد هذا الاعلان كان صعبا و فظيعا . حيث اخذت هذه الدول التي انفكت و استقلت تتنازع فيما بينها ، و كل دولة من دول الرابطة المستقلة تحولت بساكنيها الى تجمعات بشرية خائفة و مستشرسة ، و تحولت هذه التجمعات فيما بعد الى مافيات مسلحة تثير الرعب فيما بينها حيث اختفى الامن و الامان ، و عمت الفوضى العارمة في كل مكان . و في نفس كل انسان ، في كل دولة من هذه الدول ، و اخذ الكل يعتدي على غيره و يرهب و يقتل و يخطف و يسرق ، و تحولت الحياة في تلك البلاد من حياة مستقرة و امنة .. الى حياة فوضى و شغب مستمر ، بفعل الانسان و شروره .. بين قاتل و مقتول . ضمن هذه الحالة المأساوية ظهر و برز الكثير (من الابطال و الجنود المجهولين) و كل في وطنه و بلده .. عملوا على تهدئة النفوس و الاوضاع و انقاذ ما يمكن انقاذه من ذلك الدمار و الخراب ، و في ذلك الفلتان الهائج و المائج من خراب النفوس و قسوة القلوب و موت الضمير . شعبنا الاشوري الذي كان يعيش في روسيا ، و في موسكو تحديدا بقي وحيدا مشتتا و خائفا لانه بلا قائد و بلا وطن . و في هذه الظروف و هذه الاحوال المتداخلة ، و مع هكذا اجواء صعبة و قاسية .. استيقظ البعض من الشباب الاشوري حيث شكلوا تجمعا كبيرا من الشباب و الشابات الاشوريات النجيبات باسم التجمع الشبابي الاشوري المسلح و تصدر اسم (المافيا) الاشورية الفتية الخيرة .. في الكثير من الاحياء و الشوارع و البيوت التي يقطنها الاشوريين و غيرهم ، في الكثير من المناطق و في العاصمة موسكو بشكل خاص ، و استطاع هؤلاء الشباب باعمالهم البطولية و نواياهم الخيرة و الصادقة ان يصلوا الى بر الامان . هذا ما كان و هذا ما حدث في زمن ليس بالبعيد ، و اليوم و نحن كسوريون اشوريون ابناء الخابور ذلك النهر الامير كما كان يطلق عليه في وقت من الاوقات . الا نستطيع ان نقف مثل هذه الوقفة الجبارة التي وقفها ابناء شعبنا في بلاد اغترابهم القديم ، و هنا اتساءل مجددا ماذا يترتب علينا نحن الاشوريين السوريين في هذا الغموض المسيطر على ما يحدث في وطننا العظيم و في حياتنا التائهة و المشتتة .. هل علينا ان نتحول الى مافيات مقاتلة لنعيد وطننا العزيز مع المخلصين له الى عزه الذي كان (وطن لكل السوريين كما كان) .
ابراهيم بادل